فخر الدين الرازي

218

القضاء والقدر

من الأمم خالية عن هاتين الطائفتين . وأما الأوضاع والحكايات . فهي أيضا متعارضة في هذا الباب . حتى قيل : إن واضع « النرد » وضعه على مذهب الجبر ، وواضع « الشطرنج » وضعه على مذهب القدر . فظهر عندك أن التعارض غالب في هذه المسألة إلا أن مذهبنا أقوى بسبب حرف واحد ، وهو أنا إن قدحنا في قول : « الممكن لا بد له من سبب » انسد علينا باب إثبات الصانع ، وإن سلمنا بهذه المقدمة لزمنا القول بأن العبد غير مستقل بالإيجاد . فلما كان دليل قولنا في هذه المسألة ، ودليل إثبات الصانع : دليلا واحدا ، لا جرم كان جانبنا أقوى وأكمل . ولنذكر الآن طرفا من الحكايات المذكورة في هذه المسألة : الحكاية الأولى : جاء رجل إلى علي بن أبي طالب ، وقال : أنا أملك الخير والشر ، والطاعة والمعصية . فقال علي بن أبي طالب : تملكها مع اللّه أو تملكها بدون اللّه ؟ فإن قلت : أملكها مع اللّه فقد ادعيت أنك شريك اللّه ، وإن قلت : أملكها بدون اللّه ، فقد ادعيت أنك أنت اللّه . فتاب الرجل على يده . الحكاية الثانية : جاء رجل آخر إلى علي بن أبي طالب ، وسأل عن القضاء والقدر . فقال : « بحر عميق . لا يدرك غوره » فأعاد السائل السؤال . فقال : « طريق مظلم ، لا نسلكه » فأعاد السؤال . فقال علي : « لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم » تعرف معناها ؟ قال : لا . فما معناها ؟ قال : « لا حول عن معصية اللّه ، إلا بعصمة اللّه . ولا قوة على طاعة اللّه ، إلا بتوفيق اللّه » وهذا إشارة إلى ما ذكرناه ، من أن القادر متساوي القدرة بالنسبة إلى الطاعة والمعصية . فلا يترجح أحد الجانبين على الآخر ، إلا لمرجح من قبل اللّه « 1 » . الحكاية الثالثة : ورد الشام معتزلي . فكتب هشام بن عبد الملك إلى أبي جعفر الباقر ،

--> - والمشبهة » ( 1 / 212 ) . وسبب كون المشكلة موجودة في جميع الأمم هو كونها إنسانية ولا تتعلق بحضارة معينة ولا بثقافة معينة ولا دين معين . فالنصوص دائما مثار جدل للطائفتين . ( 1 ) أورد أبو القاسم بن حبيب النيسابوري - وهو من شيوخ البيهقي - توفي سنة 406 ه في تفسيره بإسناده أن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه سأله سائل عن القدر ؟ فقال : طريق دقيق لا تمش فيه . فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ؟ فقال : بحر عميق لا تخض فيه . فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ؟ فقال : سر خفي للّه لا تفشه . فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر ؟ فقال علي رضي اللّه عنه : يا سائل إن اللّه تعالى خلقك كما شاء . أو كما شئت ؟ فقال : كما شاء . قال : إن اللّه يبعثك يوم القيامة كما شئت أو كما يشاء ؟ فقال : كما يشاء . فقال : يا سائل لك مشيئة مع اللّه أو فوق مشيئته أو دون مشيئته ؟ فإن قلت مع مشيئته ادعيت الشركة معه . وإن قلت دون مشيئته استغنيت عن مشيئته وإن قلت فوق مشيئته كانت مشيئتك غالبة على مشيئته . ثم قال : ألست تسأل اللّه العافية ؟ فقال : نعم . فقال : فعما ذا تسأله العافية ؟ أمن بلاء هو ابتلاك به أو من بلاء غيره ابتلاك به ؟ قال : من بلاء ابتلاني به . فقال : ألست تقول : لا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم ؟ قال : بلى . قال : تعرف تفسيرها ؟ فقال : لا يا أمير المؤمنين علمني مما علمك اللّه . فقال : تفسيره : إن العبد لا قدرة له على طاعة اللّه ولا على معصيته إلا باللّه عز وجل . يا سائل إن اللّه يسقم ويداوي . منه الداء ومنه الدواء . اعقل عن اللّه فقال السائل : عقلت . فقال : ألا صرت مسلما ، قوموا إلى أخيكم المسلم ، وخذوا بيده . ثم قال علي : لو وجدت رجلا من أهل القدر لأخذت بعنقه ولا أزال أضربه حتى أكسر عنقه فإنهم يهود هذه -